صار الانشغال علامة على القيمة. نسأل بعضنا "كيف حالك؟" فتأتي الإجابة الجاهزة: "مشغول، مشغول جدًا"، وكأنّ الانشغال في ذاته إنجاز يستحق الفخر. بنينا ثقافةً كاملة تحتفي بمن لا ينام، وتنظر بريبة إلى من يجرؤ على الراحة.

لكن الجسد والعقل لا يعملان بمنطق الآلة. الإرهاق المزمن لا ينتج إبداعًا بل يستنزفه، والقرارات التي تُتّخذ في زحمة السرعة كثيرًا ما تكون أسوأ القرارات. البطء هنا ليس كسلًا، بل مساحة يلتقط فيها الإنسان أنفاسه ويعيد ترتيب أولوياته.

ليست المشكلة أننا نجري بسرعة، بل أننا نسينا لماذا نجري وإلى أين.

لا أدعو إلى التوقف عن العمل، بل إلى استعادة التوازن. أن نمنح أنفسنا الحق في لحظة صمت، في مشيٍ بلا هدف، في كتابٍ يُقرأ على مهل. فالحياة التي تُعاش كلها في وضع التسريع تفقد نكهتها. وربما كان أعظم فعل مقاومة في هذا العصر هو أن نتعلّم، من جديد، كيف نتمهّل.